|
... ويدورُ الزمنُ
نحوَ الأرقى, فتتخاصرُ الوردةُ الجذلى مع العطرِ, وتهمسُ أنغاماًً
وشدواً وتـُبثُّ التهنئة بصوتٍ عالٍ يطلعُ من الأعماقِِ مرفقٍ
بمباركةٍ مسكونةٍ. تترقرقُ وتتعطرُ مع ندى الصباحِ لتطـْرُدَ
نعاسَ الليلِ وتـُشرقُ شمسُ (مجلةٍ) تـُزْهرُ حروفـُها في الفمِ
وتكلمُ الأحلامَ ببياضِ فِكرٍ, وتـُحدّدُ جوهراً حقيقياً تنتسبُ
إليه, بتهيّبِ مُتعبدٍ وخشوعِ ناسكْ, في مكانٍ يَنبتُ فيه الجمالُ,
ويؤلفُ نشيداً متصلاً بالحياةِ مع إسمٍ زاخرٍ بالشاعرية, يَترافقُ
مع نغمِ وترٍ ملهوف, وتتراقصُ معهُ خمسة ُ حُروف, يتألقُ في مجدِ
توهُّجها فتتوزع ُ لحناً موسيقياً شجياً عنوانه "حـاروف" التي
نصنعُ لها سريراً دافئاً في العيونِ وفراشاً ناعماً بين الحدقةِ
والبؤبؤ, حتى إذا هَدْهَدَ الطيفُ الجفنين نجدُها نائمةً بينهما.
... إنها قيثارة ُ
الجنوبِ ... تتناغمُ مع الإرادةِ الحادةِ في الذكاء، الجريئة في
الإستبصارْ, الأقربُ للأملِ العذبِ والإنتماءُ إليها إحساسٌ
بالسمو.
حاروفُ صدى الصوتِ
الآتي من السّماء, والحسُّ المرهفُ بالحنانِ وهدوء النفس, كأنها
ظلالُ كائناتٍ, تتكلمُ عن سهرِ الوردِ في أمسياتها وتـُحوّلُ
خيالها الخصْبَ إلى حَفيفٍ ناعمٍ في حديقةٍ تحتوي اللونَ والبهاءَ
والشكلَ والنقاءَ وتظللُ وهْجَ أفكارها بالرياحين.
هي الملاذ ُ المرادُ
والأملُ الناجحُ الذي يـُقيم مع الوجدِ, ويتصالحُ مع قناعاتِ
الحبِّ, ليبعدَ أرقَ كآبته المعذبة ويلتقي مع الإبداعِ بين أزهار
الروحِ وخصْبِ الترابِ الشغوفِ بحسٍ عِطرِّي.
... حَمَلتِ
الأجيالُ في مسيرةِ تجاربها أرْحاماً, فأنجبتْ آمالاً تَركَتْ
بصماتِها على الأضواءِ البكرِ من الأعمالِ الشامخةِ في إيحاءات
دفء. توسّعتْ خطواتـُها وتمددتْ في إتجاه الحـُلم المؤنسِ لتحكي
عبقرية إنسانها الذي صنعَ عصراً أدبياً متكاملاً, تسطعُ أسطرهُ مع
ألوانِ الشمسِ وتـُظْهرُ جوانحُ مُخيلتهِ كلماتٍ مطرزةٍ بالنورِ,
تهزُ أعطافَ حروفها وتكسِبُ الجوَّ إيناساً وسعادة.
... حَملتُ معي
حقائبَ الزمانِ والمكانِ وما تبقى من الذاكرةِ, وبقايا الصورِ
العالقةِ على جدرانِ البيوتِ العتيقة, التي تتمايلُ الأيامُ على
نبضِ هواها, وتعيدُ فتحَ نوافذَ الشمسِ لتهلًّ من جديد, وتتحدَّى
عواتيَ الرياحِ فتحَولُها إلى نعومةِ نسمةٍ تتحدُ مع ترانيمَ
فكرية, تعودُ بنا إلى زقاقٍ ينطبعُ في داخلنا على الدوام فتنهمِلُ
دمعة ٌ على أدراجِ رحابهِ وتشُدني إلى وجوهٍ بيضاءَ تسبحُ بأمجادِ
الماضي وتتذكرُ هرمَ النوافذِ واستغاثة َ الترابِ الذي تتساقطُ
ذراتـُه على مهلٍ وتعودُ إلى سيرتها الأولى إلى حباتِ رملٍ تتناثرُ
في الهواء فتتعالى منها ترانيمُ الأهلِ المقدّسةِ وتنشلحُ على جبين
الفضاءِ الرحبْ, عابقة ً بأنفاسِ الطيب. مُطلة ً على شرفةِ البيتِ
الذي يشعُّ النورُ من حجارتهِ, فيصعبُ عليكَ الفراقُ, لأن ذكرياتِ
الأمسِ تـُرفرفُ على سطحهِ الملفوفِ بورقِ العنبِ والعنـّاب
والمطرّزِ بقصائدِ الحبِ المتربعةِ على جنباتِ داره, والتي تفتحُ
الشهية َ للقياه, لعناقه, للثم ِ وُرُودهِ المحمولةِ على عيدانِ
البخورِ للقلبِ المحترقِ, للسنونو التي هَجرتِ الحيَّ وتناثرَ زغبُ
دفئها على ملاذِ الحمى, للسرِّ المدفونِ تحت أشجارِ الصمت, الذي
يُحذر من مُطبـِّلٍ يدقُّ ناقوس الخطر, ومُزمِّرٍ يعيشُ مساحاتِ
العتمةِ في مثوى مروءاتٍ ميتةٍ يَعَضُّها الحقدُ فتتبعثرُ الطاقاتُ
الواعدة, ويسقطُ خندقُ الدفاعِ الأخيرِ ويُحَرِّكُ إحساساتٍ
مخطوطةٍ من حبرٍ يُشبهُ الدُّمُوعْ. |