|
* نبذة موجزة عن السيرة الذاتية للمربي المرحوم محمود عياش*
...قطف من عنق الليل
ضياء القمر ومن سفح عمره مساحات اللقاء؛ ألبس العبارة حلة ً من
النعومة, وسكبها أنيسة ً بليغة... شجرة ٌ عملاقة, باسقة الأطراف,
حانية الظلال تفيأ بظلها الجميع... تقدم وما شمخ؛ والأصالة ُ فيه
سجية ٌ متواضعة. رحل شريفا ً... دارت حياته كما تدور الحكايات وعاش
مراحل يحدوها الأمل, فيها معايير الفضيلة وأساليب العمل الدؤوب.
* ولادته:
ولد عام ـ1931ـ في بلدته المميزة "حاروف" يوم كانت مشبعة ً
بآفاق الفكر. هدهدته في المهد حتى أشرق حلمه في الأفق المزهو
بروعته, والمتوج بمصباح قمره.
* طفولته:
إن متعة الشعور والتخيل في منبت طفولته سفر ٌ عائد ٌ إلى التراث
الأصيل؛ الذي يوصل إلى التذكر السعيد لربوع ولادته وحنانها وفضلها
على نمو أبنائها حيث أدخلت إلى قلبه البراءة والصفاوة والوفاء.
* مدرسته الأولى:
"الحسينية" المكان الذي مر عليه تاريخ العلم النقي يوم كان
المعلم يعني الشرف والفضيلة, يوقظه ضمير ٌ حي وتؤنسه نفحة عطر,
وتعرش في فؤاده كرمات الود؛ فتجعل دنيا الأطفال جنة سلام ٍ وروضة
آمال ٍ تحرسهما عين رضوان, وتتألق مع الذوق السليم الذي أصبح همسة
ً تطوف بين شفتي مربيه الأول الطيب الذكر"الأستاذ حسين سليم
ياسين" من قرية "بنواتى" قضاء جزين الذي جعل المدرسة
خميلة خضراء وارفة, الذي كان معلما ً وحيدا ً لعدة صفوف.
* مراحل التعليم:
أنهى دروسه الإبتدائية والمتوسطة في مدرسة النبطية الرسمية بإدارة
الأنيق الصادق "الأستاذ عبد اللطيف فياض" وقد إقترنت بإسمه
أولا ً وسميت فيما بعد "بأم المدارس" لأنها كانت عرين الحرف
ومنبر الكلمة, وجعلت النبطية قاعدة ً علمية ً يؤمها طلاب المعرفة
من جميع أنحاء جبل عامل الأشم؛ وبالحقيقة عاشت عصرا ً ذهبيا ً يوم
كان الراحل ورفاقه النخبة الصافية من تلاميذها النجباء. وقد صار
أكثرهم فيما بعد نواة ً تعليمية ً متقدمة ً في المدرسة ذاتها,
فرفعوا قبابها إلى فوق حيث مناقبية الشرفاء.
* دار المعلمين والمعلمات:
إنتقل إلى بيروت متوجا ً دراسته المتوسطة بالشهادة الإعدادية "البريفيه"
وقد حمل في ذاته أنشودة الجنوب البيضاء وذكاء ً فطريا ً, ولج بهما
باب دار المعلمين برباطة جأش ووثوق خطى ً. لم تبهره أضواء المدينة
ولا ترفُها,عاش شخصيته المكافِحة واعتصر ألمه ثباتا ً وإستمرارا ً
ومعرفة ً, بنى نضجا ً نفسيا ً وفكريا ً وجسّد ثورة تعليمية إلتهبت
رغبة ً وإبداعا ً في التأسيس التربوي وصار أكثر تعلقا ً بجذوره
الريفية. إستطلع بوادر مستقبله, فتماوجت في داخله هياكل جمالات
بهية, فتحت وعيه على التحصيل الأكاديمي فأحرز نجاحا ً في شهادتين
(تعليمية وثانوية) والإرادة الجيدة تقصر المسافة.
* باكورة أعماله:
عين مدرسا ً رسميا ً في العام
1951
وألحق بموجب قرار بالمدرسة نفسها التي قومت عوده وأحسنت نشأته
وأعدته للحياة وكانت حينئذ ٍ بإدارة الأستاذ البالغ التهذيب؛
العملاق التربوي "أحمد جابر" أبو وسيم فأسرع الخطى, وعاد
ليسقي من نبعه الفياض ما عذُب. وينشر من هواه ما عطـُر, يلمع من
عينيه بريق الأمل ويتهادى من السناء فيهل كما يهل الشهاب. إهتم
بشؤون التربية "فخاض غمارها وشرى وباع" كان له شرف الإنتماء
لرسالة إعداد الأجيال المتعاقبة, مزودا ً بأخلاق مسلكية؛ وملما ً
بكل مواد التعليم, شاخصا ً لرؤية الجمال في بهاء تلاميذه. موقفا ً
مراسي كلماته على شاطئهم, وقد أهّلهم لبلوغ قمة النجاح. مضيئا ً في
كل شمعة, مسقطا ً ظله على أرض الإنتماء, رافعا ً إلى مجد الوطن
آيات الحب: "حيث لا سعادة تعادل راحة الضمير".
* الجامعة اليسوعية:
لقد أحسن إدارة عمله, فرصد الهدف, وأخذ درس غده من يومه؛ لم يعزف
في غرفة ٍ نصف فارغة, ولم يسدل ستار علمه على الكفاف. ويفيد ولده
الدكتور أحمد بأنه يمم شطر الجامعة اليسوعية إلى جانب عمله المضني,
وانتسب إليها كطالب في فرع العلوم والآداب الشرقية تطبيقا ً للمثل
القائل "كلما تعلمت أكثر كانت قدرتك على النجاح أكثر".
وهكذا أحرز نجاحا ً آخر وعادل إجازته بقرينتها الفرنسية. ثم أنهى
دراسات عليا في التاريخ. وإلى جانب ذلك واصل دراسة الحقوق في
الجامعة العربية "وطالب العلم لا يشبع".
* تصنيفه:
في العام 1962
صنف أستاذا ً ثانويا ً وألحق بثانوية رمل الظريف في بيروت. مارس
فيها عملا ً إداريا ً برتبة ناظر و في العام
1967
رقي إلى رتبة ناظر عام إلى أن تقاعد في العام
1995.
ترك إرثا ً شعريا ً خالدا ً في مكاتب الإذاعة اللبنانية وقد تم
تلحين أكثره. وإذا قرأت أوراقه المبعثرة والمتناثرة؛ تحس بنشوة
أدبه وتشعر بنقاوة فكره.
المرحوم محمود عياش,
محدث من طراز ٍ أول, طبع أدبه في عمق تفكيره وزيـّنـَهُ بـِدُرَرِ
الكلام. يسترسل فيستأثر بالسمع. إمتلك رغبة ً صادقة ً في إداء
رسالته فارتشف بريقـَهُ شفاهُ الشباب الألق.
... إنسان الأمس
الصالح هو... معلم ٌ ومربي هو... مثالي ٌ هو... رائد ٌ في التربية
والتعليم هو... وهو؛ كالزهرة التي يتشوق الكثيرون إلى امتصاص
رحيقها.
... هـَصَرَتْ نفسه يد
التعب فاستخرجت منها عصارة الإخلاص والكمال, وبقي وترا ً تداعبه
أنامل الموهبة وتحركه ومضة قلم ٍ رشيق إلى يوم رحيله في
1999/07/27.
{والحق أقول:
من أبدع في حياته يموت مبتسما ً ويكون في منزلة المؤمنين الذين
وعدهم الرحمن في جنة قطوفها دانية}
حاروف
الأستاذ حسن صالح كركي" أبو صــــا لـــح " |