المارد الشعبي ـ
المرحوم
الحاج عباس حرقوص.
مثل نسمة الربيع,
خفيفا ً كالظل, جميلا ً كالفراشة, رحل المارد الشعبي حاملا ً معه
تراث الناس المحكي وطرائف أنتج بعضها والبعض الآخر نقلها مشهدا ً
من دون مخرج ومن دون مسرح ومن دون ممثلين, كالزنبقة بل
كالياسمين, معه تشعر بحضور التاريخ الشعبي, بأدب الرجال الذي لم
يكتب, تتواضع أمامه إلى درجة أنك تذوب في بحر أخلاقه وتعود لتشمخ
معه كالجبل عندما تنفجر فوهة بركان ذاكرته بالبطزلات والأمجاد
...
يا ليتنا كنا معكم
فنفوز فوزا ً عظيما ً, بهذه الكلمات كان يختم مسرحه الحسيني
والذي حفظناه منذ نعومة أظافرنا حتى كاد أن يكون الشيخ عباس جزءا
ً من شخصيتنا الفردية ... وجزءا ً من حلمنا وخيالنا القروي ...
سنفتقده بلا ريب, لن يأخذ مكانه غير فراشات الربيع, لن تنطق
الشعر مكانه غير شجرة السنديان فالمارد الشعبي حفر إسمه في صخرة
زمن ذاكرة الريف وهيهات أن تنساه نسمات الربيع المهاجرة من
حقولنا باتجاه الشمس.
مضى في قافلة
شعراء وأدباء حاروف وعينه على الأجيال الواعدة أن تكمل المسيرة
...
"أسرة حاروفيات"
إلتقت بالشيخ عباس حرقوص قبل أسبوع واحد على وفاته وأجرت معه
مقابلة مصورة كان من المفترض أن يتبعها لقاء آخر خارج المنزل.
"أسرة حاروفيات"
تتقدم لأحر التعازي من أهل بلدتنا حاروف "إنا لله وإنا إليه
راجعون" وإليكم بعضا ً مما جاء في المقابلة.
مقابلة الشاعر
الحاج عباس حرقوص
س/1:يعتبرك
أهل حاروف رمزا ً من رموزهم وبطلا ً في رواياتهم وأحاديثهم فأنت
المحدث اللبق والشاعر المحبوب وصاحب الصوت المميز في مجالس
عاشوراء فمارأيك بهذه الصفات؟
ج/1:
لقد أنجبت حاروف شعراء شعبيين قبل أن نولد نحن, كان فيها الشاعر
المرحوم فياض عياش "شاعر شعبي" وكان الحاج إبراهيم حسين
شاهين. قاسم أيوب مربي وشاعرا ً فذا ً. ثم في سنة 1910 كان
المرحوم الشيخ حسن حوماني وحسين حوماني والشاعر محمد الحوماني,
أما الشاعر حسين فقد عاصرته والشاعر أبو رضا. ولم يزل في حاروف
شعراء كالمرحوم الأستاذ محمود الحاج عبد الله عياش كان شاعرا ً
عبقري فذ ومربي. وفي عصرنا هذا اليوم أولادي مع إحترام أولاد
أبناء بلدتي. الأستاذ علي من حملة الدكتوراه ولدي شاعر الفطرة
وأيضا ً ولدي مقرئ العزاء الحاج حسن حرقوص وعندي من الشعراء
الزجليين مالك حرقوص ومصطفى وكامل شاعر مسرحي.
س/2: عايشت
الكثيرين من أهل حاروف في الماضي والحاضر ما هو الفرق بين
الأجيال
السابقة
والأجيال الحالية ؟
ج/2:
الأجيال
الذين مضوا كان عندهم إلفة ومحبة أكثر. فقد كانوا يعيشون على
المودة والطبيعة. أما اليوم إبن الفقير يريد أن يضاهي إبن الغني
فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. فإن كان من حيث المأكل والمشرب
والمسكن أو في المظاهر. وكما قال الإمام علي (ع):
غني النفس من لزم القناعة ولم يكشف
لمخلوق قناعه
نفضت يدي من طمعي
ومرحي وقلت لفاقتي سمعا ً وطاعة
س/3: هل الإمكان
أن تخبرنا شيئا ً عن والديك وطفولتك وشبابك ؟
ج/3:
أبي توفي وكان عمري 7 سنوات. كان مقرئ للقرآن. وقد وقع أسيرا ً
في أيام حرب الأتراك. وبقي في مص 3 سنوات. كان له فكر وقاد ولسان
برد. وأمي فهي هاشمية سيدة محترمة. عاشت بعد أبي وصبرت وكان لي
أخ كان مقرئ للعزاء وكان شاعرا ً المرحوم الشيخ علي محمد حرقوص.
أما طفولتي, فكان الطفل في ذلك الوقت يسرح من بيته مع رفاقه ولا
يفوته الألاعيب مع الصغار وشبابي كنت أغني مع الإخوان العتابا
والميجانا والزجل على جميع أنواعه.
س/4:
حاروف, ماذا تعني لك الآن؟ كيف كانت قديما ً؟
ج/4:
حاروف كانت لها الإتحاد والإتفاق كان الرجل إذا اختلف مع جاره
يأتي إلى الساحة لكي يتصالحوا ويزرعوا الخير والمحبة بينهم. أما
اليوم متفرقة الكلمة لا تخلوا حاروف من الشباب المتفق والمؤمن
والمصلحين ونسأل الله أن يحفظ الجميع.
س/5: لو كنت رئيس البلدية فما هو المشروع الأول الذي كنت ستسعى
له؟
ج/5:
قبل كل شيء أسعى إلى إيصال المياه والكهرباء لكل بيت. لأن
العنصرين عظيمين ومن ثم الطرقات ومن ثم الإصلاحات يعني مساعدة
البلد والفقراء.
س/6:
من هي الشخصيات الحاروفية التي طبعت ذاكرتك وبماذا؟
ج/6:
الشخصيات
على أنواعها منهم مثقفين ومنهم أصحاب بيوت كريمة. والشخصيات التي
تأثرت بهم بالأدب الأستاذ الحوماني وإخوته وكان النقاد السيد
أمين بدرالدين ومن الشعراء الأستاذ محمد علي والشيخ حسن, الشيخ
حسين, ومن الشعراء الشعبيين الشيخ علي حامد حرقوص ومحمد قاسم
العياش واليوم الأستاذ فايز شاهين, شريف فحص.
س/7: الشعر الذي قلته جميل فبماذا تصف شعرك؟
ج/7:
أنا إسمي
عباس وحرقوص كنيتي وللفخر في حاروف أم
الأكابر
فمنها
رضعت الفن طفلا ً وأثمرت بساتين أفكاري
بظل المحابر
لأن أنا بني صبر الزمان مسيرتي ترددها
الأجيال فوق المنابر
ستذكرني حاروف في كل محفل حتى غاب وجهي في ظلام
المقابر
س/8: ديوان شعرك محفور على القبور وفي الذاكرة الشعبية فكيف تحب
أن يتردد ويبقى
شعرك بين الناس؟
ج/8:
أنا برأيي أهل القبور والأموات ما زالوا في ذكرهم أحياء أما
الأحياء عندهم نفوس أبية ووجوه سمية لا بأس بهم. منهم من ينظم
الشعر, فحاروف إذا كان للشعر مملكة فحاروف مملكة الشعر والأدب.
أحيانا ً إلقاء وأحيانا ً بالتلحين ولكل وقت مقالة.
س/9: ما أجمل قصيدة قلتها في حياتك؟
ج/9:
أهديت أبيات للإمام الحسين (ع) فرأيته في المنام فشفى لي عيني.
إذا كان جهنم من ورائي وأمامي ظل
أصحاب الكساء
وحاشا أن يمس الضر عينا ً بكت عطش
الحسين بكربلاء
فيا مولاي جئتك مستغيثا ً فعني
بالشفاء على بلائي
أبوك المرتضى والجد طه سفير الله من
تحت أسماء
س/10:
أية قصيدة ندمت على إلقائها؟
ج/10:
ليس هناك قصيدة ندمت عليها.
س/11:
إذكر لنا الشعراء الأصليون الذين مروا على تاريخ حاروف؟
ج/11:
بالقديم, فياض عياش, قاسم الأيوب, الحاج إبراهيم حسين, والذين
عاصرناهم أحمد محمد علي الحاروفي, الشيخ علي حامد الحرقوص والشيخ
صالح كركي, محمد قاسم العياش, ومن عصرنا الحاج عبد اللطيف عياش,
محمد علي العياش, الشاعر فايز محمد شاهين, الأستاذ الكبير شاعر
الأغنية عبد الجليل وهبي يعد ألمع شاعر بجميع أنحاء لبنان.
س/12: لو عدت شابا
ً, إبن عشرين سنة, ماذا ستغير في مجرى حياتك وكيف كنت
ستعيد ترتيب
أمورك؟
ج/12:
أرجع
إلى الماضي, إذا كان عندي رابطة دينية وأمشي في صف المؤمنين. أما
إذا غلب علي الهوى فإن النفس لأمارة بالسوء.
س/13: حاروفيات, مجلة ثقافية إجتماعية فصلية, ما رأيك بهذه
الفكرة؟
ج/13:
أنصحهم
بالتآخي والمودة والمحبة والله يحفظ أبناء حاروف.
س/14:
ماذا تقول (في ختام المقابلة) ككلمة أخيرة لأهل حاروف؟
ج/14:
لكل
فكر وقاد إنتاج. ورجال
الأقلام
والحرف. ربما تأتيه الإنسان ساعة يجيد فيها
الشعر
والنثر وربما لا يدركه التوفيق.
|