بسم الله الرحمن
الرحيم
الحمد لله رب
العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله الطيبين
الطاهرين.
أهلي الأحبة, أكتب
هذه الكلمات في زمن ٍ لم يعد للكلمة قيمتها بعد أن عمّ الجهل
وساد التخلف. وما زاد في الطين بلـّة تلك الشواخص التي تـَزيّن
الجهل فيها بلباس العلم فأصبح العلم لدى هؤلاء جهلا ً. وعندما
أكتب هذه الكلمات لا أدعي أنها علم إنما هي وقفات مع الذات توقظ
النفس من غفلة الجهل فتعيد للعقل دوره في الحياة, فيصبح المرء
موجودا ً بوجود عقله,لأن الوجود لا يقاس بجسم المرء أو بماله أو
بجاهه أو بمكانته في عائلته أو تنظيمه أو قريته, إنما يقاس وجود
المرء بمقدار عقله, فمن لا عقل له لا وجود له. لذلك أبدأ هذه
الكلمات من الأحرف التي تجعل الروح أكثر إنفتاحا ً على العقل
فأقول:
ـ
أولا ً: إن
السبب الذي يجعل المرء منا محدودا ً في أفقه هو أنه عندما يحصل
على كشف أمر مخفي عنه يكتفي به ظانا ً أنه بلغ مرحلة الكشف
المطلق, فيقف عند هذا الحد؛ وبوقوفه هذا يجعل وجوده أسير هذا
الكشف الذي ما هو إلا جزء لا يذكر في عالم الوجود. وعندما يقف
تقف حركة العقل معه في مسيرة الكشف, ورويدا ً رويدا يفقد الكشف
الأول قيمته فيفقد بذلك المرء قيمته في الوجود.
ـ
ثانيا ً:
عدم معرفة الغاية من وجودنا يجعلنا نعيش الضياع في حركة مسيرنا
في الحياة وذلك لأن الإنسان بطبعه يشعر بالنقص ويبحث عن السبل
التي توصله إلى الكمال. فإذا لم تكن صورة الكمال مشخصة أمامه
فإنه يعتقد بكل حركة يتحركها وبكل خطوة يخطوها أنه وصل إلى مرحلة
الكمال, فيما يمكن أن يكون في أكثر الأحيان يخطو الخطوات التي
تزيد النقص فيه نقصا ً.
ـ
ثالثا ً:
حقيقة الوصول إلى الغاية, فكثير من الناس يظنون بأنهم قد حققوا
الوصول إلى الغاية فيما هم بعدُ لم يسيروا في الطريق الموصل
إليها وهذا ما يسبب الكثير من التخلف, لأن مشكلة هؤلاء أنهم في
الوقت الذي لا يدركون فيه شيئا ً يعتقدون أنهم إكتشفوا كل شيء
وبذلك يفقد العاقل إمكانية التواصل معهم لإنهم يعتبرونه جاهلا ً
طالما أنه يطرح الأمور التي لا تتطابق مع ما يعتقدونه من صواب.
ـ
رابعا ً:
عدم معرفة الدليل الموصل إلى كشف الحقيقة وهنا تكمن المشكلة
الكبرى حيث يقع الناس ضحية السلاطين وأصحاب المطامع في الجاه
والسلطة, ففي الوقت الذي يُظهر لك فيه هؤلاء أنهم يعملون على
تعليمك وتثقيفك كي تتمكن من فهم حركة الواقع في الحياة لتعرف كيف
تتعايش معها إنما يكون هؤلاء يعملون على طريقة تجميد حركة العقل
لديك وربط مسيرك بحركة عقولهم, فيقولون لك لا تتعب نفسك بالتفكير
نحن نفكر عنك ونخطط لك إنما عليك أن تنفذ كل ما نقوله لك, وفيه
يكون صلاحك ونجاحك. وهكذا وجدنا على مر العصور الغابرة كيف كانت
أمم بأكملها ضحية سلطان ما حتى وصل الأمر بأصحاب العقول إلى
اليأس من إمكانية وصول العلم إلى عقول هؤلاء, ومثالا ً على ذلك
الحالة التي وصلت إليها الأمة في عهد أمير المؤمنين علي (ع), ففي
الوقت الذي حكم فيه بعض الخلفاء بالطريقة التي أشرت إليها بحيث
أصبح الشخص الذي يريد أن يستفهم عن شيء يقوله الخليفة يصبح خارجا
ً عن الشريعة ويُكفّر ويُحكم بتأديبه إن لم يكن بقتله. أُفرغت
عقول الأمة من أي محتوى علمي فكان علي (ع) يعلن اليأس من هؤلاء
لأنه كان يريد لهم أن يفهموا حقيقة الواقع ليدركوا عظمة وجودهم
في الحياة فيدركوا عظمة خالقهم. كان الناس يريدونه أن يكون الشخص
الذي يواصل إستعبادهم بالسيطرة على عقولهم مقابل أن يؤمن لهم
مأكلهم ومشربهم, لذلك كان يقول لهم "أريدكم لله وتريدوني
لأنفسكم", وفي مورد آخر "لا تكونوا كالبهيمة السائمة همها علفها
ولا تدري ماذا يراد بها", لذا لم يكن النقص في علي (ع) أنه لا
يعرف كيف يخاطب الناس أو أن أسلوبه لم يكن ناجحا ً في التعامل مع
الناس لذلك لم يؤثر بهم, إنما ذلك يمكن أن يقال بلحاظ أشخاص
أمثالنا لا بلحاظ أمير المؤمنين (ع), إنما كان النقص في الأمة
وذلك نتيجة ضعف العقل عندها. لذلك كان لا بد من معرفة الدليل
الموصل إلى الحقيقة أي الدليل الموصل إلى الله سبحانه وتعالى.
هذه نقاط أربع أشرت
إليها على نحو الإختصار علـّها تكون دقات إيقاظ من الغفلة التي
جعلتنا أمواتا ً لا أحياء وأشباحا ً لا أرواح, لتعيد لنا الروح
والحياة فندرك بذلك قيمة الوجود.