|
حاروف تفتش عن تاريخها
حاروف أرض جميلة مفعمة بالعطاء...
تختزن تاريخا ً مشبعا ً بأسرار الأجداد وأحلام الآباء وآمال
الأمهات... لقد حملت خيالاتها تحيات البراءة وأناقة الطهر وزرعت
أياديها نبات الحب فامتد جناه مع عطر الليل إلى سهرات ٍ ممتعة
يؤازرها قمر المسايا الذي يتلألأ نورا ً ويقبل ثغر النجم ويهل على
أولئك المميزين الذين أضفوا على الحياة الصنائع الجميلة وأهدوا
الخير والبركة إلى أناسها ونسجوا كلمات ٍ من نسيم الضحى وأنشدوها
مع بلابل الصباح ترانيم سعادة.
مشيت ما بين عام ٍ وعام, عدت إلى
الزقاق نفسه الذي شهد طفولتي, إلى تعرجاته الكئيبة, فالتبست
الذكريات بيني وبين أماسي أيام ٍ جهزها الحنين بعاطفة ٍ مطوية مرت
في ذهني فبكيت حنانها مع رجع صدى أحرف منقطعة تركها الزمن في خاطر
عشقي ما بين جدار وزاوية, أمـحو الإبتسامة عن شفاه أوقاتي وأزيل
الفرحة عن وجه عمري وفي كياني قلب يذوب وفكر يتوه حتى الهذيان,
فأعيش حاضرا ً في كذبة لأن تاريخي مسلوب ومستقبلي مجهول؛ والكثيرون
لا ينعتقون من أسر عاداتهم المهترئة, أحاول البحث عن رؤية ضوء ٍ في
نهاية النفق فلا أجده وأفتش عن مساء ٍ تشتعل فيه الشموع وتلون فيه
شرائط العيد, وإذا بي أمام "شرئطة" مفرقعات تقوم بها نفوس
مريضة ينقصها كثير من
الأدب
والذوق وتهديها إلى صفاء الأعياد, فيموت الجانب الطيب في إنسانها
وتصبح أجسادا ًبدون أرواح, تماما ً كالجثث المحنطة الخاوية من
التفكير؛ تغتال الإنسانية كل يوم وتتصرف كالأفاعي التي تبتلع
ذيولها, كأنها متروكة في العراء وفي قلوبها اليأس, فتلملم الخيبة
وتفقد الأمل وهي لا تدرك حجم أخطائها ورعونتها.
لقد باتت حمّى الإنحراف في أجوائنا
وهزمت الكثيرين؛ وأخذت ترسم في الربوع خريطة جديدة تحتوي خيوطا ً
منحنية متعرجة, تتحرك فيها ظلال ٌ موحشة ٌ يتجه أصحابها نحو نظام
قبلي تنخره الصراعات الفردية ويعشعش في زواياه التفرق ويفتت أعضاءه
الحية, علما ً أن الأعضاء تتفكك بعد الموت فقط.
كلُّ طائر يحلق مع
سربه وكلٌّ يميل إلى جنسه ويتعلق به والكل يتوقد حقدا ً ويشتعل
كراهية ً, يتورمون كالطحالب التي تتوهم أنها بوسامة الحور وبقوة
جذوع السنديان, وتدَّعي تعليم الناس الجري وهي بدون سيقان.
لقد استشرت بنا
الأمراض الفتاكة ونمت بيننا الأعشاب الضارة وتداخل حرامنا بحلالنا
حتى خدشت هيباتنا ويبست ورودها من عطشنا وقضمنا التراث, فبات وجود
الشيطان عندنا أثبت من وجود أية شخصية تاريخية فيا للخجل. والخوف
كل الخوف من انهدام الجدار وسقوط أوراق التين، وافتراس ما بقي من
الضحية, فـتـذبـل الحـياة في عـيـون أطـفـالـنـا, ويحـاصر
الـزلـزال آفـاقـنـا, وعـنـدها لا ينفع " قنطار علاج "
وتزول الأماني وترحل الآمال وتطير كل الفراشات الزاهية من حولنا
ونعيش المآسي فنبكي بلا دموع وعندها لا تروي قطرة المياه المهج
المحروقة ولا تصل أطفالنا إلى السماء فيحرمون من السمو.
لقد أقعدنا الوجد
وأوقف فينا الحب, وأبعد عنا مواسم العز, وأماني الغد, عـقـّد رموز
حياتنا, وبعث طموحات الأجيال إلى أفق العذاب المؤلم التي تكاد تفجر
زخم الشباب وتمنعه من ضخ الدم الشرياني النظيف, وتمزق أحلامه
وتجعله يمتع طرفه بوليمة وهمية كالذي يريد أن يأكل كبابا ً ولم يأت
باللحم, وينفخ في قربة مثقوبة, فيتولد في داخله إحساس بالذنب لجرم
ٍ لم يرتكبه, ويهم مناديا ً حادي العيس أن يبعث في خطاه الأمل
ويسمعه الصوت الحنون الذي يطرق أبواب الليل, ويدغدغ نفسه المتعطشة
إلى ظلال الهدوء والإنسجام ويحمل للمجتمع نسمات النعومة وأريحية
الصدق ويرد الشوق في مصافحة الآخرين فالوجود شقاء إن لم يسكنه الحب
والأشياء جميلة إذا خلت من القذارة والعفة. وتحديد أشواك النفس
يساعد على إزالتها ويجعل الحياة غاية ً في عين المفكر وغايتها عندي
هي جمع المحبة والإلفة والبعد عن المشاجرات والتقاتل, فالقساوة قد
تفعل الكثير.
أما الراعي الحقيقي
هو من يسبر أغوار رعيته ويبعدها عن الآلام ويحث على التلاقي في
بناء المدماك. فتتنوع في الحدائق أزهار النضج وتضوع روائح الطيب
وتتقطر دمعات الفرح في محراب العين.
والموقرون المبجلون
من الشباب يميل معظمهم إلى الإنحدار. وللأسف يأكلون لحمهم ويشربون
دمهم. وتملأ نفوسهم الأفكار الجامحة ويفتقرون إلى المشاعر البشرية.
تموت عواطفهم وكأنه فعل ٌ عادي وهم يلبسون الميوعة رداء ً
واللامبالاة حلة ويتخذون المجون سبيلا ً والعربدة رسالة ً والضحك
منهجا ً, فليضحكوا بمفردهم وليعرفوا بأنهم سوف لا يبقون شبابا ً
إلى الأبد وأن انهيار الأخلاق خاتمة كل أمة وحينها لا يفيدها مأتم
ولا ينفعها عويل.
حاروف
في:13/08/2008.
حسن صالح كركي |